محمد طاهر الكردي
148
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
كفالة عمه له صلى اللّه عليه وسلم بعد وفاة عبد المطلب جد النبي صلى اللّه عليه وسلم كفله عمه شقيق أبيه أبو طالب حسب وصاية عبد المطلب له ، فكان أبو طالب يحب النبي صلى اللّه عليه وسلم حبا شديدا أكثر من أولاده ، فكان ينام بجنبه ويطعمه أطيب الطعام ، وكان يبالغ في إكرامه وتبجيله ويقدمه على كل شيء . ولما حصل الجدب والقحط جاءت قريش أبا طالب وقالت له : أما ترى ما نحن فيه ، قم فاستق ، فخرج أبو طالب ومعه النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى الكعبة ، فألصق ظهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بالكعبة فلاذ بإصبعه ، فأقبلت السحب من كل الجهات ، وسقوا وأخصبت الأرض من بعد جدبها ، ولذلك قال أبو طالب فيه ، صلى اللّه عليه وسلم : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة الأرامل رحلته مع عمه صلى اللّه عليه وسلم إلى الشام للمرة الأولى ولما بلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم اثنتي عشر سنة ، أراد عمه وكفيله أبو طالب السفر بتجارة إلى الشام ، فاستعظم محمد صلى اللّه عليه وسلم فراق عمه ، فأخذه معه ، وهي الرحلة الأولى له صلى اللّه عليه وسلم ، فلما بلغوا " بصرى " بأرض الشام رآه بحيرا الراهب واسمه " جرجيس " وكان من أحبار اليهود ، فعرف النبي صلى اللّه عليه وسلم من صفته الموضحة في كتبهم فأضاف قريشا ، وجعل يلحظ النبي صلى اللّه عليه وسلم لحظا شديدا ، وسأله عن أشياء فأخبره النبي صلى اللّه عليه وسلم عما سأله عنه ، فقال بحيرا الراهب لأبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني ، قال : ما هو ابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ، قال : فإنه ابن أخي ، قال : فما فعل أبوه ، قال : مات وأمه حبلى به ، قال : صدقت ، فما فعلت أمه ، قال : توفيت قريبا ، قال : صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغينه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، لما نجده في كتبنا ورويناه عن آبائنا ، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة فأسرع به إلى بلده ، فرده أبو طالب إلى مكة واشتد تحفظه عليه ، وازداد له حبا وتكريما .